من أهداف الرابطة

.العناية بأسرة المساجد، ورعاية حرمتهم والاهتمام بأوضاعهم الاجتماعية .القيام بأنشطة علمية وثقافية وفنية واجتماعية ذات الصلة تعزيز الروابط مع المجالس العلمية والجمعيات والمنظمات الأخرى ذات الاهتمام المشترك. توفير مناخ الحوار لاعادة الثقة بين وزارة الأوقاف وأسرة المساجد في وضعية استثنائية. الوقوف ضد استقدام غير حفاظ القرءان و متعددي الوظائف

.... وكذا الاستمرار في دعم دور المساجد والأوقاف ومؤسسات التعليم العتيق ومضاعفة الاهتمام بوضعية العاملين في الحقل الديني بما يناسب مكانتهم في المجتمع .... وكذا الاستمرار في دعم دور المساجد والأوقاف ومؤسسات التعليم العتيق ومضاعفة الاهتمام بوضعية العاملين في الحقل الديني بما يناسب مكانتهم في المجتمع

دراسة حول أئمة المساجد بالمغرب

اضف تعليق

د.عبد الحكيم أبو اللوز

الامامة المسجدية بالمغرب

عند بحثنا عن مراجع يمكن أن نستأنس بها في بحثنا الميداني المتعلق بالإمامة المسجدية وجدنا أن البحث الخاص بدراسة هذه المهنة يكاد ينعدم على الساحة البحثية الوطنية ما عدا الإحصائيات الرسمية والدراسات الموجهة والتي يرتبط معظمها بتصور أو طرح إيديولوجي. مما دفعنا إلى النزول المباشر للميدان.

أسئلة البحث :

تقوم علم الاجتماع الديني على طرح أساسي، وهو أن الدين منظومة متحررة ومتحولة،وقد ظل الإسلام شأنه شأن أي دين متأثرا بسياقه الاجتماعي والثقافي والمؤسسي،وبحراك الفاعلين الاجتماعيين واختلاف تمثلاتهم الدينية.

انطلاقا من ذلك تحاول هذه الدراسة الإجابة على التساؤلات التالية :

ما هو أثر الحراك الاجتماعي لأئمة على واقع مهنتهم؟

فما هي الظروف التي فعلت فعلها في تغير وظيفة الإمام المسجدي في المغرب؟

في أية ظروف يمارس الإمام الديني مهنته، ما هي المسارات التي تؤدي إلى ممارسة مهمة الإمام المسجدي؟

ومن النظرة التي أصبح العموم ينظرون من خلالها على هذه المهنة؟

ما هي ملامح السياسة الرسمية للنهوض بمكانة هذه المهنة الدينية؟

 

الأئمة في السياسة الدينية المغربية :

 

تعتبر الإمام في المغرب الشخص الذي تتوفر فيه كفاءات معترف بها رسميا والذي يمارس فعليا إمامة الصلوات الخمس في المساجد التابعة وغير التابعة للدولة. وهو أيضا جزء من فئة عامة يطلق عليها اسم القيمين الدينيين وهم كل من يقوم بمهمة في المسجد، الإمامة والخطابة الوعظ والحزابة والآذان.،وعدد الأئمة الإجمالي في المغرب هو 55082 إماما

حسب الإحصائيات الرسمية، يمثلون 75 بالمائة من مجموع عدد القيمين الدينيين

ومن مبادرات الدولة الرامية إلى العناية بفئة الأئمة بشكل خاص و القيمين الدينيين بشكل عام، الإعلان عن إحداث مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للقيمين الدينيين في 27 شتنبر 2008، وسبق ذلك، في يوليوز 2007 ، دخول نظام التغطية الصحية للأئمة حيز التنفيذ والذي يشمل ما مجموعه 166 ألف شخص ما بين الأئمة وزوجاتهم وإنبائهم.

لقد كان من أهم محاور خطة "ميثاق العلماء" التي أعلنها الملك في 27 شتنبر 2008 بتطوان : تأهيل أئمة المساجد باعتبارهم "نوابا عن الإمام الأعظم، أمير المؤمنين، في التوجيه والإرشاد الديني".وبمناسبة انطلاق هذا البرنامج ، أوضح الوزير، أن 1500 مؤطر في كل الجماعات القروية والحضرية سيشرفون على هذه العملية التي وصفها المشرفون عليها بالخطة "الكبرى غير المسبوقة" والتي تتوخى تمكين الأئمة من أداء مهامهم على أكمل وجه، وإيجاد تأطير ديني مناسب لمجتمع حريص على ثوابته ومقوماته وهويته، إلى جانب ملائمة هذا التأطير مع جمهور "جديد متطلب وأكثر وعيا". كما أبرز الوزير أن هذا البرنامج الشامل والدائم إجباري بالنسبة لجميع الأئمة على تفاوتهم، فضلا عن كونه سيشكل بالأساس لقاء تواصليا روحيا ربانيا أكثر منه تعليميا "للإحاطة بالإطار المذهبي والمؤسساتي الذي يشتغل فيه الأئمة".

وتنكب المجالس العلمية المحلية بعد وضع خطة الميثاق ف على تفعيل برنامج يقوم على تأطير أئمة المساجد وتأهيلهم وتوعية عامة الناس في المدن والبوادي وتوجيههم، بواسطة 1530 عالما من العلماء المؤهلين. كما ستسعى الوزارة إلى إعادة تنظيم مهامهم من أعمال تطوعية إلى أعمال مسؤولة عن تنظيم الخدمة والمساهمة الفعالة في إستراتيجية تأهيل المسجد

أما في ما يخص الأوضاع المادية يظهر الرسم المبياني التالي تحسن هذه الأوضاع برسم السنة المالية 2009

المصدر : وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية

 

 لكنه ورغم كل هذه الإجراءات لا زال تعويض الإمام[#_ftnref6" title="">[6] لا يبلغ الحد الأدنى للأجور المعمول به في المغرب، بحيث لا تبلغ حصة الإمام الواحد منها سوى 11 ألف درهم للعام الواحد، في حين يتطلب تحقيق تمتيع جميع الأئمة بالحد الأدنى للأجور(2000درهم) تعبئة غلاف مالي يفوق 400 مليار سنتيم. إنه من حسنات منحة الميزانية العامة والتي لم يتوقعها أحد، أنها تشجع على مرابطة العديد من حملة القرآن ببعض المساجد الخربة والمهجورة على أمل إدراجهم فيمن تشمله هذه الإعانة، مما كان له الأثر في إحياء العديد من المساجد[7]. لكن الوزير الأوقاف وعد في العديد من المرات أن الوزارة ستعيد تنظيم مهام الأئمة من أعمال تطوعية إلى أعمال مسؤولية عن تنظيم الخدمة والمساهمة الفعالة في إستراتيجية تأهيل المسجد

وعلى الرغم من هزالة الحصص المالية المخصصة للقيمين الدينيين، فقد سجلت الإجراءات الجديدة تمايزا عن السياسة السابقة لوزارة الأوقاف في عهد الوزير السابق، والذي كان له تصور حول الإمامة مفاده أن الأصل في الوظائف داخل المسجد التطوع، وأن كل ما تدفعه الأوقاف ما هو إلا مكافآت وهي غير ملزمة بصرف رواتب مقابل أداء الصلاة. لقد كان الوزير متحاملا على الأئمة الدينيين الذين ينتسبون لوزارته، يقول أحد الأئمة الذين استجوبناهم.[8]

لقد كانت لدى الوزير السابق قناعة مفادها أن الإنفاق على المسجد وطاقمه من فروض الكفايات، فإذا قام به من فيه كفاية سقط الفرض عن الباقين وإذا تعطلت حرج الكافة[9]. حتى كان الكثير من الأئمة يعتبرون فترة تولي"المدغري العلوي" بمثابة العهد السيئ للمساجد كما ينعتون وزارته بإدارة مراقبة الهلال وإصدار حصص الآذان في دلالة على تبرمها من التزاماتها إزاء الأئمة. وعلى كل حال، فالمؤكد لدينا أن الأئمة الدينيين بأكثر الدول العربية أحسن حالا من نظرائهم بالمغرب، من حيث تأهيل معاهد التكوين وتقنين الوظيفة.[10]

وفي المساجد غير التابعة للدولة، فغن أصبحت الجمعيات المسجدية هي التي تتكفل بالإمام المشارط، أي وهو إمام حالص على تزكية في مجبس علمي ما يتعاقد معه بشكل رسمي بشكل يحدد حقوقه وواجباته ، وهي الصيغة التي لا يحبذها هذا الأخير، لأنها تضع التزامات عديدة ( دروس يومية، القيام في رمضان، المساعدة في بعض الأعمال كالحرث والحصاد، تدريس الأطفال وقت العطلة) على الفقيه نظير نفس الأجرة المعتادة.

و كثيرا ما يضطر الإمام إلى مغازلة أفراد تلك اللجان، فهي من يقرر تنصيب الإمام أو عزله وهي من يرسم المناهج، ويبقى الإمام ضحية كل أزمة تنشب بين أفراد هذه اللجان وهذه الجمعيات، وبالكاد يستطيع الإمام والخطيب عقب كل أزمة أن يوازن بين إملاءات الوزارة ورغبة مسيري شؤون المسجد من غير أن يستطيع دليل الإمام والخطيب- الذي يعد بمثابة مرجع وقانون أساسي لشؤون المسجد-حسم هذه المشاكل[11].

هكذا يجد الإمام نفسه بين سندان القناعات الدينية للمشرفين الممونين للمساجد، ومطرقة ما جرى به العمل من توجيهات الإدارة الوصية على قطاع المساجد، بحيث تقوم اللجان والجمعيات ذات النفوذ بالمساجد على مرأى ومسمع من السلطات بطرد من لا يخضع من القيمين الدينين لتوجيهاتهم وتعويضهم بآخرين أكثر خضوعا للمطلوب.[12]

وفي سعيها إلى تنظيم أكثر شمولية لهذا القطاع أصدرت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مذكرة تنظم عملية تعيين وعزل القيمين الدينيين، إذ ستخضع هذه المسألة لمسطرة قانونية جديدة وواضحة، وتهم هذه المسطرة التي بدأ العمل بها منذ مايو من سنة 2009 الأئمة والخطباء، وقبل ذلك كان مندوب وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية هو الذي يختار الأئمة والخطباء لشغل المناصب الشاغرة دون الاستناد على معايير واضحة ويصدر بناء على ذلك قرار وزاري بالتعيين.
وبصدور هذه المذكرة الجديدة التي قالت مصادرنا إنها بمثابة مشروع أولي لنظام أساسي ينظم عمل القيمين الدينيين، أصبح التعيين والعزل يخضع لمسطرة محددة، إذ يتم نشر الإعلان عن المنصب الشاغر في جميع المساجد لمدة 15 يوما، بعدها يتم استقبال طلبات المرشحين وتسجل في سجل خاص، وتنعقد لجنة يترأسها مندوب الأوقاف وتتكون من عضوين من المجلس العلمي وعضوين من المندوبية، إذ تتم دراسة الملفات المقدمة واقتراح الأنسب لشغل هذا المنصب، ثم يتم إرسال المحضر إلى مديرية المساجد ويصدر قرار وزير الأوقاف بالتعيين، هذا بالنسبة للمسطرة المتبعة في المساجد التي تسيرها وزارة الأوقاف، أما بالنسبة لمساجد القطاع الخاص فتقترح الجمعية المكلفة بتسيير المسجد أو ’’الجماعة’’ الإمام الذي تراه مناسبا وتعرضه على المندوبية التي تنظر في توافر الشروط لدى المعني بالأمر من حيث الكفاءة والتزامه بالثوابت الدينية التي وضعها الخطاب الرسمي ( عقيدة الأشعرية، مذهب مالك، التصوف السني) وتوفره على شروط الإمامة. كما هي واردة في دليل الإمام والخطيب
ومن خلال هذا النظام لقد هدف المشرفون على الحقل الديني المغربي إلى تحقيق أكبر قدر من الشفافية في تعيين الأئمة والخطباء، السماح بانتقاء أفضل المرشحين وتفتح المجال أمام المؤهلين من خريجي التعليم العتيق وغيرهم من الكفاءات، وبناء على هذه المذكرة تقول ذات المصادر إنه تم تعيين قرابة 200 إمام وخطيب في مختلف مناطق المغرب.
كما أن هذه المذكرة تحدد ولأول مرة الأسباب التي يعفى بموجبها الإمام من مهامه الدينية، إذ لم يعد يخضع لمزاجية المندوبين أو العمال أو غيرهم من ذوي السلطة أو الأعيان المحليين، فالإمام سيعزل في حالات مضبوطة ك صدور حكم قضائي نهائي ضده أو تعاطيه المخدرات أو لسب فادح في المساجد أو مخالفته علنا للثوابت الرسمية للدولة، كل ذلك بعد أتباع مسطرة تنظيمية تتعلق بـ(استفسار ثم إنذار فتوبيخ ثم بعد ذلك قرار العزل).
ويشترط لتعيين الإمام والخطيب حسب ذات المذكرة أن يكون حاصلا على تزكية أحد المجالس العلمية، وشهادة حفظ القرآن، وشهادة الإمامة أو الخطابة، وتقديم السجل العدلي، وألا يتجاوز سن المترشح 45 سنة، وذلك تماشيا مع السياسة الرسمية التي ترمي إلى تشبيب أئمة المساجد، وفي نفس الوقت حتى يتمكن هؤلاء من الاستفادة من الضمانات من التغطية الصحية والضمان الاجتماعي.

 

كفاءات الأئمة بين الماضي والحاضر :

 

إن معالجة قضية أئمة المساجد تجعلنا نبحث عن مصادر تكوين هؤلاء والشبكات التي خولت لهم تولي مناصب الإمامة والتحولات التي طرأت على كل ذلك،

لقد كانت المدارس الدينية العتيقة تعد إلى عهد قريب أهم هذه منابع الأئمة، فبعد أن يحمل خريجو المدارس العتيقة حمولة ثقيلة من القواعد والآليات العقائدية والفقهية والأصولية واللغوية، كانوا يتوجون ذلك بإمامة المسجد وتولي مهمة تفقيه وتعليم التلاميذ و ممارسة مهمة العدول والتوثيق والصلح بين المتخاصمين .

ويكاد الشرط، وهو عقد عرفي تشارط به القبيلة فقيها على إمامة الصلاة وتعليم الأطفال حفظ القرآن والإفتاء، بمقابل مادي أو عيني أو هما معا يعطى في المناسبات الدينية، يكاد يكون منفذ الشغل الوحيد المتبقي بالنسبة لخريجي المدارس الدينية العتيقة، بعد أن أدت الوفرة من المتخرجين من شعبة الدراسات الإسلامية، ودار الحديث الحسنية، وجامع القرويين وكليات الشريعة التابعة له، ومعهد تكوين الأطر الدينية بالدار البيضاء، وبرامج التكوين التي أقرت أخيرا في هذا المجال[13] إلى تعدد في الطبقة الدينية المؤهلة لدخول سوق الشغل الديني، خصوصا في ظل الشروط التي أصبحت متطلبة لولوج المهن الدينية ومنا الإمامة، ومن أهمها الحصول على الشهادات العليا ( الإجازة) من مؤسسات التعليم الديني العليا العمومية[14]. خصوصا بعد إقرار من عملية تأهيل الأئمة في إطار برنامج مما سمي في الخطاب الرسمي لمشروع "نفرة العلماء"[15]

أما اليوم فقد تبدل وقع الإمام بشكل كلي، و بات الجميع مدركا أن العرف والتقاليد الموروثة أضحت عاجزة عن تنظيم شؤون المسجد وإمامه، فبعد أن أصبح الطلب ملحا على شخصه والمستأذن فيمن يتولى الإمامة في المساجد أصبح الإمام مضطرا لحمل حقائبه وعرض خدماته على الدواوير الجماعات والجمعيات واللجان المشرفة على المساجد.

 وبعد أن كان إمام المسجد مصدر للمعارف الدينية بالنسبة لسكان المغرب عرفت وظيفته على هذا المستوى في تراجعا كبيرا فبالرغم من مواصلة الإقبال علية من طرف الفئة البالغة 60 عاما فما فوق بالنسبة كمصدر للمعلومات الدينية البسيطة (الصلاة مثلا)، فإن هذه النسبة تتراجع بشكل كبير بالنسبة للفئات العمرية الأقل سنا[16] ، حيث يبدو دور إمام المسجد في هذا الإطار هامشيا بالمقارنة مع دور الدعاة و القنوات الدينية الفضائية المشرقية[17]

وبفعل خلو مناهج هذه المدارس الدينية العتيقة من حصص للتدريب على مهام المسجد وشؤون الصلاة و غياب أي برنامج عملي مدروس لدورات تدريبية فاعلة، يجد هؤلاء أنفسهم مضطرين للتتلمذ على يد نظرائهم من أولي التجربة أو عن طريق التواصل والاحتكاك أو عن طريق البرامج الرسمية الجديدة التي أصبحت تستهدف أئمة المساجد. ومن ضمنها ما حملته "خطة ميثاق العلماء" في هذا الشأن، بمعنى أن ابن المدارس العتيقة يجد نفسه مرة أخرى بعد رحلته العصامية الشاقة مضطرا لإيجاد فرصة عمل مناسبة لتكوينه وهي ممارسة الإمامة بمسجد، ولكنه لن يكون جاهزا لذلك قبل إطلاعه على خصوصيات هذه الوظيفة المعقدة أسرار الإمامة( التي تظل من أهم نواقص ثقافة الإمام التقليدي بالمغرب[18].

وفي هذا الإطار وضعت الكثير من المعاهد الدينية الحرة أكثر مرودية لكنها تعيد تأهيل خريج التعليم العتيق وتمده بمعارف الشرعية اللازمة تعزز بها ما أكسبته في المدرسة العتيقة من حفظ القرآن وبعض مبادئ العلم الشرعي، كما تخول له استئناف مسيرته الدراسية في المسالك الرسمية من خلال متابعة الدراسة في أحد المدارس التعليم العصري الحر بشكل صوري وفي مستويات متقدمة، ليتمكن في سنوات قليلة من اجتياز باكالوريا التعليم الأصيل الحر والالتحاق بالجامعة[19].والاستفادة من برنامج تكوين الأئمة الذي يؤدي إلى يتكلف بهذه المهنة بشكل رسمي، وقليلون من طلبة التعليم العتيق ينجحون في تجاوز الباكالوريا الخاصة بهذا التعليم، بحيث أن فتح باب امتحان الباكلوريا العتيقة لم يراع واضعوه طبيعة تكوين العتيقيين .وهو الأمر الذي أخذته مجموعة من الدول المجاورة في تعاملها مع الملف ذاته حيث تيسر إدماج هذا النوع من الطلبة في التعليم الجامعي[20].

و لا يعني هذا أن كل خريجي التعليم العتيق يتجهون ضرورة إلى البحث عن الإمامة، ففي ظل المزاحمة الشديدة للأئمة المجازين الذين تلقوا تكوينا أكثر دقة، يضطر عدد من خريجي التعليم العتيق إلى احتراف مهنا أخرى لا علاقة لها بمساره الدراسي (التجارة بالتقسيط في الغالب)، في حين يفضل بعضهم الآخر الهجرة إلى الخارج، أما الطلبة الذين يعتزمون إنهاء دراستهم فيلجئون إلى مدارس عتيقة التي لا تقصد لمكانتها العلمية، بل لأن القائم بها يربط علاقة مهمة مع الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين والسياسيين والإداريين وعن طريق هذه العلاقات يتم توظيف المعنيين بالتبني، في مقابل قيام بعضهم بالدعاية للفقيه الذي كان وراء توظيفهم والرفع من نجوميته عبر المواسم والملتقيات و المناسبات الدينية المقامة سنويا.

ومن الحلول التي يلجأ إليها خريج المدرسة الدينية العتيقة، اللجوء إلى مساجد بدأ بنائها في أوائل التسعينيات توجد بها داخليات للطلبة وتوجد خاصة في المدن الصغيرة والبلدات الموسعة الحديثة، وهي بمثابة شبكة إرشاد ومساعدة من يبحث عن المشارطة من الأئمة الذين يتعرضون للعطالة بين الحين والآخر، بحيث اللجان والجمعيات المشرفة على المساجد أئمة أو خطيب بمواصفات معينة ( تجويد القرآن) وفي فترات معينة ( شهر رمضان)[21]. ومن الأئمة من يلجئ إلى الأدلاء التقليديين وهم في الغالب حملة قرآن، احترفوا مهنا كالتجارة.. وينتشرون في كل المراكز الحضرية والقروية[22]، ويعتبر محضوضا الإمام الذي ساعده دليل ما على إيجاد مسجد.

وقد تضرر خريج المدارس الدينية العتيقة كثيرا من عامل استقدام متعددي الوظائف لتولي المهام المسجدية وفي مقدمتهم الأساتذة، وعموما فقد شكل قرار وزير الأوقاف 473_06 10 مارس 2006 بداية نهاية العرف الاجتماعي الجاري به العمل لتولي المهام المسجدية في المغرب، واكبه في ذات الوقت برنامج رسمي لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات من ذوي الإجازات لتقصي الكفاءات من خريجي المدارس العتيقة.

وقد قام المجلس العلمي بمراكش بتجربة فردية في هذا الإطار حيث اعتنى في عامي 2003-2004، وبتكليف من الوزارة، بفئة من خريجي التعليم الديني العتيق بحيث خصص لهم تكوين دام سنتين يؤهلهم لممارسة مهنتي الخطابة والإمامة، وخصص لهم بالموازاة مع ذلك تكوينا حرفيا و تعويضا ماديا[23]، لكن التجربة بقيت فريدة ولم تتوسع على صعيد كل الأقاليم.

خاتمــــــــــة :

حاولنا في هذه الدراسة ألا نقف عن الجرد الكمي للمعطيات التي توفرها الجهات الرسمية ممثلة في وزارة الأوقاف عن الأئمة في المغرب ع، بل أعطينا موازية لمعطيي التحليل والتفسير، كل ذلك من أجل تجاوز الإسقاطات الأيديولوجية والانفعالية التي يكمن للباحث أن يقسط فيها بمجرد الاعتماد على المعطيات الرسمية، وكانت النتائج في غاية الدلالة منها ما شكله خطاب المك في 30 أبريل 2004من منعطف هام في السياسة الرسمية في المساجد، وما يشهده الواقع من حراك في مسار هذه الشريحة من الفاعلين الدينيين، وهو ما لا يمكن بيانه إلا بالنزول إلى الميدان وتتبع واقعمختلف المعنيين بهذه المهنة، أفرادا ومؤسسات رسمية وغير رسمية وما تصدر علها من خطابات تراهن على هذه المؤسسة العبادية لتنزيل مشاريعها المجتمعية.

 

باحث في علم الاجتماع الديني

المركز المغربي في العلوم الاجتماعية الدار البيضاء

aboullouz41@yahoo.fr


 

المراجع :

علي حسو وسعيد أبو علي، المساجد بالمغرب رؤية من الداخل، 2007، ص 85

أشغال الملتقى الثالث للقيمين الدينيين بمساجد إقليم الجديدة الذي نظم من قبل المجلس العلمي المحلي للجديدة على مدى يومي السبت والأحد 62 و72 دجنبر.

محمد رؤوف القاسمي، التنظيمات المسجدية في، دفاتر المركز الوطني للبحث في الانثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، ملف الحركة الجمعوية في الجزائر الواقع والآفاق، تنسيق الزبير عروس. ( وهران ، CRSC، رقم 13 ، 2005)

عبد الحكيم أبواللوز، الحركات السلفية في المغرب 1971-2004، دراسة أنثروبولوجية سوسيولوجية ( بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)

_____التوجهات الجديدة في السياسة الدينية في المغرب. إنسانيات، المجلة الجزائرية في الانتروبولوجية والعلوم الاجتماعية. ملف الدين، السلطة و المجتمع. السنة العاشرة، عدد 31 جانفي مارس 2006، ص31-43.

عبد الغني منديب، الدين والمجتمع دراسة سوسيولوجية للتدين المغرب ( الدار البيضاء، إفريقيا الشرق، 2006)

 

 

Le glissement des obligations islamiques vers le phénomèn associatif à Casablanca. In, A.A.N, (Paris : C.N.R.S, 1979), p235- 257

Elayadi ( M) et autres : L’islam au quotidien. Enquête sur les valeurs et les pratiques religieuse au Maroc, Prologue, 2007

 

www.habous.gov.ma

http://www.sgg.gov.ma/Page_Ar.aspx?id=733

 

 

 


[1] - باستثناء الدراسة المهمة أجريت في هذا الموضوع في بداية الثمانينيات والتي قام بها "برينو إيتيان" و"محمد الطوزي" حول المساجد والجمعيات الدينية بالدار البيضاء والتي سبق الإشارة إليها تحت عنوان

Le glissement des obligations islamiques vers le phénomène associatif à Casablanca. In, A.A.N, (Paris : C.N.R.S, 1979), p235- 257

وكذلك الدراسة القيمة التي قام بها الباحثون محمد العيادي، حسن رشيق، محمد الطوزي ومجموعة من الطلبة الباحثين في عام 2007 تحت عنوان :

L’islam au quotidien. Enquête sur les valeurs et les pratiques religieuse au Maroc, Prologue, 2007 .

 

[2] - والمقصود هنا الدراسات التي تقوم بها الجهات الرسمية والتي تخدم السياسة الدينية العامة للدولة في نهاية المطاف.

[3] يعتبر بعض الأئمة المستجوبون أن فصل مهمة الإمامة عن الخطبة وعن الوعظ والإرشاد قد أفقد المهنة الإمامة بريقها والقائمون بها السمعة التي كانوا يتمتعون بها لان الخطبة والوعظ هي مصدر قيمة اجتماعية أو أبعاد تنويرية. 9

[4] يختلف هؤلاء عن المرشدين المرشدات الذين يتلقون تكوينا من طرف الدولة ويوظفون بواسطة عقد عمل مع الدولة وسيتقاضون نفس الأجر والتعويضات والمخولة لمتصرف مساعد ( السلم العاشر).

[5] - المصدر الموقع الإلكتروني لوزارة الأوقاف المغربية

[6] تستعمل الوزارة عدة أوصاف لنعت ما تعطيه من مقابل للأئمة (مكافآت _تعويضات_ منحة) مما يعني في كل الأخوال أن الأمر لا يتعلق بأجر. أو شيء أخر يجبر الوزارة على أداء أي التزامات أو تعاقدات مفترضة.

[7] - علي حسو وسعيد أبو علي، المساجد بالمغرب رؤية من الداخل، 2007، ص 85

[8] مازال الوزير الحالي يعتمد على واقع الأئمة الذين يعتمد بعضهم على بعض الحرف والمهن الجانبية لتبرير هزالة المقابل الذي يتلقونه من الوزارة.

[9] - المرجع نفسه، ص 69

[10] - المرجع نفسه، ص 44

[11] -علي حسو وسعيد أبو علي، المساجد بالمغرب ،م،س، ص 55

[12]- المرجع نفسه، ص 23

[13] - ومنها ما شهده عام 2005 انطلاق الدراسة للفوج الأول من برنامج تكوين 150 إماما و50 مرشدة حول هذا التكوين أنظر : كلمة وزير الأوقاف أمام لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية بمجلس النواب حول تقديم الميزانية الفرعية لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 11 نونبر 2005. وهي منشورة في موقع الوزارة على الانترنيت : www.habous.gov.ma

[14] - على سبيل المثال اشترط في لوج برنامج تكوين 150 مرشدا و 50 مرشدة الحصول على الإجازة في الدراسات الإسلامية ومعلوم أن المتخرجين والمتخرجات من هذا التكوين سيوظفون بواسطة عقد عمل مع الدولة، وسيتقاضون نفس الأجر والتعويضات والمخولة لمتصرف مساعد ( السلم العاشر).

[15] مشروع "نفرة العلماء" يندرج ضمن عدة خطوات اتخذتها وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية المغربية في نسختها الجديدة بعد تولي أحمد التوفيق الوزارة خلفا لعبد الكبير العلوي المدغري، ومن هذه الخطوات إطلاق برنامج تكوين الأئمة والمرشدات، وإصدار دليل الإمام والخطيب، وبرنامج الوعظ عبر التلفاز، وإعداد برامج ودورات تكوينية لفائدة القيمين الدينيين. وقد عبئ للعملية نحو 740 في 2010من الأئمة المتخرجين خلال شهر يناير من 2010.

 

[16] - من نتائج البحث حول الإسلام اليومي، للاستزادة راجع :

El Ayadi Mohamad et autres, L’islam au quotidien…op,cit , p 141

[17]- المرجع نفسه، ص 142

[18] قال الدكتور أحمد العمراني، عضو المجلس العلمي المحلي بالجديدة إن المشاكل التي يعاني منها أئمة الصلوات الخمس هي ضعف معرفتهم بثوابت الأمة وفقه العبادات، خصوصا المذهب المالكي، فبالرغم من حفظهم للشيخ خليل وابن عاشر فهم لا يفهمون حقيقة فقه ابن عاشر والشيخ خليل؛ لأنهم يحفظونها فقط ولا يفقهون ما يحفظون. جاء ذلك على هامش الملتقى الثالث للقيمين الدينيين بمساجد إقليم الجديدة الذي نظم من قبل المجلس العلمي المحلي للجديدة على مدى يومي السبت والأحد 62 و72 دجنبر2009.

[19] في نونير 2009 حاول بعض الأئمة الآخرون استقدام شهادات باكلوريا مزورة من موريطانيا لكنهم كشفوا وقدموا أمام أنظار المحكمة الابتدائية 25إمام 3 منهم رهن الاعتقال وآخرون في حالة فرار بتهمة الإدلاء ببيانات مزورة يوم الاثنين.ومن المعلوم أن نيابة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أقدمت مؤخرا على توقيف وعزل عدد من الأئمة التابعين للوزارة عن أداء مهامهم داخل المساجد ، ويعود أصل مشكل هؤلاء الموقوفين إلى القضية التي أشرت إليها بعض وسائل الإعلام تتعلق بإدلاء عدد من الفقهاء بشواهد الباكلوريا المزورة القادمة من الجارة موريتانيا والتي تضاربت الآراء عن ثمنها ،الذي قيل انه بين 5000 و 7000 درهم ،والتي خولت لهؤلاء الأئمة ولوج التعليم الجامعي بكلية الشريعة وكلية الآداب باكادير. أنظر فتوى في النازلة للفقيه السوسي عبد الله بن الطاهر مدرسة الإمام البخاري للتعليم العتيق 11/ 02/ 2009.

[20] يشكل امتحان مادة اللغة الفرنسية عقبة أمام طلبة التعليم العتيق في مختلف أنواع الباكلوريا العصرية والتعليم الأصيل والتعليم العتيق.

[22] - المرجع نفسه، ص54.

[23] - يتعلق الأمر بأربعين طالبا اجتازوا المباراة التي نظمت لهم بنجاح لولوج هذه التجربة التي امتدت لعامين تقاضى فيها الطالب 2000 درهم للشهر الواحد.

:عدد التعليقات
  • 1
    الإسم :

    Hassan wazzani

    التعليق :

    أين كرامةالأئمة؟لاحول ولاقوةالابالله.‏‎ ‎

  • 2
    الإسم :

    رشيد لمراني

    التعليق :

    غلاء المعيشة تجعل 2000درهم لاتكفي لسد حاجيات الامام حتى يتمكن من اداء واجبه

  • 3
    الإسم :

    محمد

    التعليق :

    كل ما يقال في حق ائمتنا حفظهم الله من تحسر وتأسف لم يوف ولم يشف غليلهم والواقع ينطق

عزيزي الزائر يمكنك اضافة تعليقك :